الشيخ محمد عبده
44
رسالة التوحيد
استعمال اللغة لا ينحصر في الحقيقة ، ولئن انحصر فيها فوضع اللغة لا تراعى فيه الوجودات بكنهها الحقيقي - وإنما تلك مذاهب فلسفة إن لم يضل فيها أمثلهم فلم يهتد فيها فريق إلى مقنع ؛ فما علينا إلا الوقوف عندما تبلغه عقولنا ، وأن نسأل الله أن يغفر لمن آمن به وبما جاء به رسله ممن تقدمنا من الخائضين . أفعال الله جل شأنه أفعال الله صادرة عن علمه وإرادته ، كما سبق تقريره وكل ما صدر عن علم وإرادة فهو عن الاختيار ، ولا شيء مما يصدر عن الاختيار بواجب على المختار لذاته ، فلا شيء من أفعاله بواجب الصدور عنه لذاته ، فجميع صفات الأفعال من خلق ورزق وإعطاء ومنع وتعذيب وتنعيم مما يثبت له - تعالى - بالإمكان الخاص 61 فلا يطوفن بعقل عاقل بعد تسليم أنه فاعل عن علم وإرادة أن يتوهم أن شيئا من أفعاله واجب عنه لذاته ، كما هو الشأن في لوازم الماهيات ، أو في اتصاف الواجب بصفاته مثلا - فإن ذلك هو التناقض البديهي الاستحالة ، كما سبق الإشارة إليه . بقيت علينا جولة نظر في تلك المقالات الحمقى ، التي اختبط فيها القوم اختباط إخوة تفرقت بهم الطرق في السير إلى مقصد واحد ، ثم التقوا في غسق الليل ، فصاح كل فريق بالآخر صيحة المستخبر ، فظن كل أن الآخر عدو يريد مقارعته على ما بيده ، فاستحرّ بينهم القتال . ولا زالوا يتجالدون حتى تساقط جلهم دون المطلب ، ولما أسفر الصبح وتعارفت الوجوه رجع الرشد إلى من بقي وهم الناجون ، ولو تعارفوا من قبل لتعاونوا جميعا على بلوغ ما أملوا ، ولوافتهم الغاية إخوانا بنور الحق مهتدين . تريد تلك المقالات المضطربة في أنه يجب على الله رعاية المصلحة في أفعاله وتحقيق وعيده ، فيمن تعدى حدوده من عبيده ، وما يتلو ذلك من وقوع أعماله تحت العلل والأغراض ، فقد بالغ قوم في الإيجاب حتى ظن الناظر في مزاعمهم أنهم عدوه واحدا من المكلفين ، يفرض عليه أن يجهد للقيام بما عليه من الحقوق